٢٢الروشان الحجازي في جدة التاريخية: تاريخه ووظائفه المعمارية
تُعدّ العمارة التقليدية في مدن الحجاز (جدة التاريخية، مكة المكرمة، والمدينة المنورة) وثيقة عمرانية حيّة تجسد قدرة الإنسان على التكيف الذكي مع البيئة. ويبرز "الروشان" (وجمعه رواشين) كابتكار معماري متكامل يتجاوز أبعاده التزيينية ليُشكل منظومة إنشائية، وبيئية، واجتماعية تتناغم مع مناخ الساحل الغربي الحار والرطب. 1. الجذور التاريخية والتبادل الثقافي
يرتبط تاريخ الرواشين بالشبكات التجارية والثقافية عبر البحر الأحمر والمحيط الهندي، وتُشير التوثيقات التاريخية إلى تجذر هذه الصناعة منذ أواخر القرن السادس الهجري. تطوّر الروشان مورفولوجيًا عبر الحقبتين المملوكية والعثمانية بتأثير حركة الحرفيين وتنقُّل الخبرات. وتعود تسميته لغوياً إلى أصول فارسية أو هندية أو محلية، وقد بلغت هذه الطرازات ذروتها في جدة التاريخية (المدرجة ضمن التراث العالمي لليونسكو عام 2014) خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر. 2. المنظومة الوظيفية: البيئة والمجتمع
يؤدي الروشان دوراً مركباً ينقسم إلى مسارين:
الأداء المناخي (المعالجات السلبية):
تنظيم التهوية: تكسر الشبكات الخشبية ("الشيش") حدة الرياح وتوجهها بلطف للداخل.
التحكم بالإضاءة والوهج: تحجب الشرائح الخشبية أشعة الشمس المباشرة وتوفر إضاءة متوازنة.
التبريد بالتبخير: استُخدمت أواني الفخار ("القلال") ليمر عليها الهواء الخارجي فيبرد ذاتياً.
التظليل الحضري: تُلقي البروزات ظلالاً على الجدران والأزقة المجاورة، مما يلطّف حرارة المشاة.
الأبعاد الاجتماعية والمجالية:
حماية الخصوصية: يُشكل حائلاً بصرياً يتيح للسكان مراقبة الشارع دون كشف الفراغ الداخلي.
الامتداد الفراغي: يوفر مساحة جلوس رحبة داخلية ("دكة الروشان") للاسترخاء والتأمل.
3. التكوين المعماري والمواد
تتألف البنية الهندسية للروشان من ثلاثة أقسام رئيسية:
القاعدة (Base): ترتبط بالجدار المرجاني وتعتمد على كوابيل ودعامات لنقل الأحمال.
الجسم (Body): القطاع الأوسط الأبرز، ويضم الإطارات الخشبية، والفتحات المتحركة، والشبكات المخرمة.
التاج (Head): الحافة العلوية المزخرفة التي تحمي الروشان من الأمطار وتمنح الواجهة توازناً بصرياً.
المواد: اعتمد الحرفيون على أخشاب مستوردة مقاومة للرطوبة (كالساج والماهوجني) وتكنيك التعشيق الخشبي دون الاستعانة بمسامير معدنية عرضة للصدأ. 4. الفارق بين الروشان والمشربية
تُشير المشربية غالباً إلى عنصر شبكي مدمج داخل نافذة، بينما الروشان الحجازي وحدة معمارية مستقلة وبارزة ذات عمق فراغي وهيكل إنشائي يغطي مساحات واسعة من الواجهة. 5. التحديات المعاصرة
يواجه هذا الإرث تحديات بالغة كالتدهور الحيوي، والرطوبة العالية، وآفات الخشب، إلى جانب أخطاء الترميم، مما يستدعي حلول حماية ومعالجات حفظ متخصصة.