٨عمارة أصدار عسير الانتقالية: حين يجد الحجر لغته المعاصرة
في عمارة أصدار عسير، يبدو الحجر وكأنه جزء من تضاريس الجبل قبل أن يصبح جدارًا. تتدرج المباني القديمة فوق السفوح، وتضيق فتحاتها، وترتفع بعض كتلها كالأبراج. وعندما ننظر إلى هذه العمارة اليوم، يصعب فصل مظهرها عن الظروف التي نشأت فيها: الأرض الشديدة الانحدار، والمواد المتاحة، والحاجة إلى الخصوصية والحماية، والقدرة على البناء في مواقع لم تكن سهلة الوصول.
من هذه الخلفية يمكن فهم عمارة أصدار عسير الانتقالية. فهي محاولة لتطوير لغة الواجهات التقليدية وإدخالها في حياة معاصرة تختلف في احتياجاتها ووظائف مبانيها وطرق إنشائها. ولا يحتاج المبنى الجديد إلى تقليد قلعة قديمة كي ينتمي إلى المكان؛ الأهم أن يستوعب المصمم منطق الكتلة والحجر والفتحات والزخرفة، ثم يعيد صياغته بلغة تناسب الحاضر. ماذا يميز عمارة أصدار عسير؟ تُعد «عمارة أصدار عسير» أحد الطرز المعمارية المحددة في خريطة العمارة السعودية، وهي مستقلة عن «عمارة مرتفعات أبها» و«عمارة جبال السروات»، وإن جمعها إطار جغرافي وثقافي واسع في جنوب غرب المملكة العربية السعودية.
ويصف المرجع الرسمي لهذا الطراز مباني حجرية قد يصل ارتفاع بعضها إلى ستة طوابق، تتخذ هيئة حصينة وتتكيف مع تضاريس شديدة الانحدار. وتظهر فيها نوافذ صغيرة، وإطارات جصية بيضاء، وزخارف دقيقة من الحجر الأبيض، مع استعمال الحجر والطين والخشب.
العمارة السعودية
قد يذكّر هذا الوصف بقصور رجال ألمع وبيوتها الحجرية، وهي من الشواهد المعروفة على العمارة التقليدية في نطاق الأصدار. لكن الانتقال من العمارة التاريخية إلى التصميم الحديث لا يقوم على نقل هذه المباني كما هي؛ فلكل مشروع مساحة مختلفة وبرنامج وظيفي وشروط إنشائية واحتياجات مستخدمين لا يمكن تجاهلها.
لهذا تأتي أهمية الطراز الانتقالي: أن يحتفظ المبنى بحس المكان دون أن يفقد وضوحه الوظيفي أو كفاءته التقنية. وهو أحد المسارات الثلاثة التي تتناولها الموجهات التصميمية للعمارة السعودية، إلى جانب النمطين التقليدي والمعاصر.
العمارة السعودية
قراءة في الواجهة: حجر ثابت وتفاصيل أكثر خفة يقدم التصور المعماري المرفق مثالًا واضحًا على إمكان المزج بين الصلابة والتفاصيل الدقيقة.
ففي أسفل المبنى قاعدة حجرية قوية تنفتح على مداخل السيارات ومدخل رئيسي في الوسط. وفوقها تتكرر نوافذ رأسية ضيقة نسبيًا، تحيط بها مساحات فاتحة اللون وأجزاء من الحجر المكشوف. وفي أعلى الواجهة يظهر شريط هندسي ملون أسفل سترة سطح ذات تشكيلات مدببة.
هذا التكوين يستعير من العمارة العسيرية إحساسها بوزن المبنى وثباته، لكنه يستخدم مفردات أكثر انتظامًا ووضوحًا.
ويبدو التقسيم إلى قاعدة ووسط وقمة حاضرًا فيه: القاعدة تتصل بالشارع، والجزء الأوسط يحمل إيقاع النوافذ، أما الحافة العليا فتمنح المبنى خطًا مميزًا في السماء.
أكثر ما يستحق الانتباه هنا هو العلاقة بين الحجر والسطح الفاتح. لو غُلّفت الواجهة كاملة بالحجر لفقدت بعض خفتها وتنوعها. ولو اختفى الحجر تمامًا لأصبحت صلتها بالطراز المحلي أضعف.
وتنجح المعالجة عندما تكون مناطق الحجر مقصودة وتؤكد الكتلة أو القاعدة أو محاور محددة، بدل أن تتحول إلى تكسية عشوائية توزع على كل جزء.
مع ذلك، لا تكفي الصورة لتأكيد الامتثال التفصيلي للدليل. فتماثل جانبي الواجهة، وحجم الشريط الزخرفي، وطريقة معالجة المواقف، ونسب الفتحات، كلها مسائل تحتاج إلى فحص مقابل نوع المبنى والنمط المعتمد والمقاسات الفعلية.
وقد تكون الصورة نقطة بداية جيدة لنقاش التصميم، لكنها ليست بديلًا عن المخططات والمراجعة الفنية. النوافذ والتكوين: كيف نحافظ على الطابع دون نسخ الماضي؟ تميزت المباني الحجرية في أصدار عسير تاريخيًا بفتحات صغيرة موزعة بعناية، وغالبًا ما أُبرزت بإطارات بيضاء أو تفاصيل زخرفية دقيقة. وكان حجم النافذة وعلاقته بالجدار جزءًا من الإحساس العام بالمتانة والخصوصية.
أما في المباني الحديثة، فقد نحتاج إلى إضاءة طبيعية أكبر أو إطلالات أوسع أو فراغات ذات استخدامات مختلفة.
والتحدي المعماري ليس إغلاق النوافذ لمجرد التشابه مع الماضي، بل ضبط أحجامها ومواضعها وعمقها حتى تبقى الواجهة متوازنة.
وقد تساعد التجاويف العميقة والإطارات البسيطة والمظلات المدروسة على تحقيق هذه العلاقة بصورة أكثر ملاءمة للحياة المعاصرة.
وينطبق ذلك على شكل الكتلة أيضًا. كانت الأبراج الحجرية التاريخية تستجيب لمواقعها المحدودة والوعرة، أما المبنى المعاصر فلا ينبغي أن يتحول إلى برج مصطنع أو صندوق ضخم بلا تدرج.
وقد يمنح تغيير عمق أجزاء الواجهة أو تقسيم الكتل الكبيرة إلى أحجام متقاربة إحساسًا أفضل بالمقياس الإنساني، خاصة عندما يلتقي المبنى بالشارع. ألوان عسير والزخرفة: حضور محسوب لا ازدحام بصري عرفت العمارة العسيرية تباينًا بين لون الحجر الطبيعي، وبياض بعض الإطارات، والزخارف الهندسية.
وارتبط القط العسيري بصورة خاصة بفن تزيين الجدران الداخلية للمجالس والمنازل؛ وهو فن أدرجته اليونسكو في عام 2017 ضمن التراث الثقافي غير المادي للبشرية.
في النمط الانتقالي يمكن الاستفادة من هذه الذاكرة الفنية دون افتراض أن كل واجهة تحتاج إلى مساحات واسعة من الألوان القوية. فالشرائط المحدودة حول المدخل أو أعلى الجدار قد تكون أبلغ من تكرار الزخرفة في كل موضع. وتتيح الألوان الترابية الفاتحة، بدرجاتها البيج والبنية والبيضاء، خلفية هادئة تظهر فوقها التفاصيل المختارة.
وفي التصور المرفق، يؤدي الشريط الملون قرب السطح وظيفة بصرية واضحة؛ فهو يجمع أجزاء الواجهة أفقيًا ويمنحها علامة مميزة.
لكن نجاحه النهائي يتوقف على نسبته إلى مساحة الجدار وقوة ألوانه ومدى انسجامه مع بقية العناصر. فالتفصيل التراثي الجيد لا يحتاج إلى المبالغة كي يُلاحظ. ما الذي يجب أن يتغير في طريقة تصميم واجهات أصدار عسير؟ المشكلة التي تواجه بعض محاولات استلهام الهوية المعمارية السعودية هي البدء بالزخرفة قبل فهم المبنى نفسه.
يُختار الحجر، ثم تُضاف إطارات للنوافذ، ثم يوضع شريط ملون؛ وبعد ذلك يُقال إن الواجهة أصبحت محلية.
لكن هذا الترتيب يختزل الهوية في مجموعة إضافات يمكن إزالتها دون أن يتغير جوهر التصميم.
البداية الأجدى تكون من الموقع: كيف يجلس المبنى على الأرض؟ وهل يحترم الانحدار الطبيعي؟ وكيف يستقبل المارة ويعالج مدخل السيارات؟ وأين تكون الكتل الأعلى والأقل ارتفاعًا؟
ثم تأتي الفتحات والخامات والتفاصيل باعتبارها امتدادًا لهذه القرارات، لا تعويضًا عنها.
وتستدعي بيئة الأصدار اهتمامًا خاصًا بالعلاقة مع التضاريس والمياه والأرض المحيطة.
فالكتلة التي تبدو جميلة في منظور أمامي قد تفقد قيمتها إذا تطلب تنفيذها تسوية جائرة للموقع أو إذا أهملت تصريف الأمطار والخدمات.
والعمارة التي استمدت خصوصيتها تاريخيًا من الجبل لا يصح أن تتعامل مع الجبل على أنه عقبة ينبغي محوها.
هنا تظهر فرصة حقيقية للإبداع: مبانٍ تستخدم تقنيات إنشائية حديثة، وتتجنب التكلفة غير الضرورية، لكنها تحتفظ بروح التكوين الحجري وتدرج الكتل والارتباط بالمشهد.
وقد تكون واجهة بسيطة، بمادة رئيسية واحدة وتفاصيل قليلة متقنة، أقرب إلى عمارة أصدار عسير من واجهة مزدحمة بكل رمز محلي معروف. هوية تتطور من الداخل التقدم في عمارة أصدار عسير لا يقاس بعدد العناصر التراثية التي تظهر على الواجهة، بل بمدى نجاح المبنى في الجمع بين الانتماء إلى المكان ومتطلبات الحياة الحالية.
وعندما تُفهم النوافذ بوصفها علاقة بين الضوء والخصوصية، والحجر بوصفه حضورًا ماديًا يتصل بالأرض، والزخرفة بوصفها لغة لها موضعها، تصبح الهوية جزءًا من طريقة التصميم نفسها.
قد لا يشبه المبنى الناتج قصرًا تاريخيًا معروفًا، ولا يحتاج إلى ذلك.
يكفي أن يحمل في تناسباته وخاماته واستجابته للموقع شيئًا واضحًا من روح الأصدار.
عندها تكون العمارة العسيرية الانتقالية خطوة في تطور الهوية المعمارية السعودية، لا إعادة إنتاج لصور الماضي.
مراجع المقال - عمارة أصدار عسير – الموجهات والأدلة الرسمية. - خريطة العمارة السعودية والطرز المعمارية. - القط العسيري – اليونسكو. - عسير في خريطة العمارة السعودية – وكالة الأنباء السعودية. https://architsaudi.dasc.gov.sa/design-guidelines